الشيخ الطوسي
102
التبيان في تفسير القرآن
أي ذو نصب ، فكأن العيشة أعطيت حتى رضيت ، لأنها بمنزلة الطالبة كما أن الشهوة بمنزلة الطالبة للمشتهى . وقيل : هو كقولهم : ليل نائم وسر كاتم وماء دافق ، على وجه المبالغة في الصفة من غير التباس في المعنى : فعلى هذا جاء عيشة راضية ولا . يجوز على هذا القياس زيد ضارب بمعنى مضروب لأنه يلتبس به . وقوله ( في جنة عالية ) أي بستان أجنه الشجر مرتفعة ، فالعلو الجهة المقابلة لجهة السفل . والعلو والسفل متضمن بالإضافة فيكون الغلو سفلا إذا أضفته إلى ما فوقه ، ويكون علوا إذا أضيف إلى ما تحته ، وقوله ( قطوفها دانية ) أي اخذ ثمرها ، فالقطف اخذ الثمرة بسرعة من موضعها من الشجر ، وهو قطوفها ، كأنه قال دانية المتناول ، قطف يقطف قطفا فهو قاطف ، وقطف تقطيفا . والدنو القرب ، دنا يدنو دنوا فهو دان ، وتدانيا تدانيا وأحدهما أدنى الينا من الاخر . وقال قتادة : معناه قطوفها دانية لا يرد أيديهم عن ثمرها بعد ولا شوك . ثم حكى تعالى ما يقال لهم فإنه يقال لهم ( كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم ) وصورته صورة الامر والمراد به الإباحة ، كما قال ( وإذا حللتم فاصطادوا ) ( 1 ) وقال قوم : انه أمر على الحقيقة ، لان الله يريد من أهل الجنة الأكل والشرب لما لهم في ذلك من زيادة السرور إذا علموا ذلك . وإنما لا يريد ذلك في الدنيا ، لأنه عبث لا فائدة فيه . وقوله ( هنيئا ) معناه مريئا ليس فيه ما يؤذي ، فليس يحتاج فيه إلى اخراج فضل لغائط ولا بول . وقوله ( بما أسلفتم ) أي جزاء على ما عملتموه من الطاعة ( في الأيام الخالية )
--> ( 1 ) سورة المائدة آية 3 .